رسالة إلى غربيات
وهبن أنفسهن للسلام في الشرق الأوسط

جريدة تشرين  /  بقلم د. ماجدة حمود

أعترف بأنني قضيت معكن يومين(21 و22/ 2009) متعبين ورائعين في ورشة عمل بعنوان "دور المرأة في الحوار الحضاري والديني" بدعوة من الجمعية الكندية السورية والسفارة الكندية والجمعية السورية للعلاقات العامة ونساء من أجل السلام في الشرق الأوسط!

كم كان العنوان موفقا! فلا جدال في دور المرأة في التأسيس لعالم حضاري يسوده الحب والسلام، كما لا جدال في دور المرأة في تنشئة الأجيال على هذه القيم الخالدة، إنها نبع تلك القيم التي دعت إليها الأديان والفلاسفة، وهي ملاذها.

أدهشتني حماستكن لرسالة الخير والسلام، أحسست بأن العالم سيكون أجمل إذا كثرت النساء أمثالكن في الغرب! أحسست، بفضلكن، بروعة العمل في هذه الحياة من أجل هدف سام! قلت في نفسي هؤلاء نسوة لا يردن أن تضيع حياتهن هباء! إنهن لبنة أساسية لزرع الجمال في الحياة ونبذ الشر والحقد والظلم! إنه لأمر رائع أن تتعاون المرأة العربية مع أختها الغربية لنشر السلام والحب في هذا العالم المظلم بالقهر والعدوان!

أسعدتني صراحتكن، كم أحسست أنكن قريبات من روحي عندما تحدثتن عن الصعوبات التي صادفتنها في حياتكن، كم أعجبت بتحديكن هذه الظروف من أجل رسالة السلام التي وهبتن حياتكن لها! كم أعجبت بوعيكّن في ضرورة ممارسة النقد الذاتي على أعمالنا في اليومين المنصرمين! كم أسعدتني رغبتكن في الاستفادة من مقترحاتنا!

كم أعجبتني روحكن الإنسانية، وأفرحتني رغبتكن في سماع أكبر عدد ممكن من المشاركات رغم كثرة عددهن! ولكن كان الوقت قصيرا، وظل كلام كثير يفور في صدري، دون أن أجد فرصة لأحدثكن به، لهذا قررت أن أطلعكن على بعض الأحاسيس والأفكار التي انتابتني خلال لقائي بكن، وأنا واثقة أن قلبكن الكبير سيصغي لي!

أقول بصراحة: كلما نطقت إحداكن بكلمة (اللاعنف) أثناء المحاضرة، لتقنعنا بأهميتها، كانت تهاجمني صور العنف الذي مارسته إسرائيل على أهلنا في غزة!

لم أستطع فهم دعوتكن لنا ألا نتحدث بالسياسة، كلما أرادت إحدى المشاركات السوريات الإشارة إلى العنف الصهيوني! حتى إنني أحسست أحيانا أن علينا أن نمحو من أذهاننا تجارب تشكل وعينا ووجداننا وخبز يومنا!

كنت راغبة في أن أحدثكن عن ساعات الصباح (من السادسة إلى التاسعة) التي عشتها قبل أن آتي إليكن، لأسمع محاضرة عن ضرورة التسامح ونبذ العنف! فتحت التلفاز فسمعت من يتنبأ بزوال إسرائيل، لأنها تقوم على العدوان، قلبت المحطة فوجدت تقريرا يتحدث عن الأسلحة التي استخدمتها في حربها على المدنيين في غزة، وأنها محرّمة دوليا، وكيف أن الأطباء لاحظوا أن معظم الإصابات لدى أطفال غزة كانت في الرأس!!!

رأيت من الأنسب أن أهرب من صور مفزعة يعرضها التلفاز للعنف الصهيوني، فتحت الراديو فسمعت صوت فيروز يصدح سنرجع يوما إلى حيينا ...سنرجع مهما يمر الزمان، اغرورقت عيناي بالدموع، وغيّرت المحطة لأسمع فيرزو تصرخ (الغضب الساطع آت وأنا كلي إيمان، الغضب الساطع آت سأمر على الأحزان...وسيهزم وجه القوة، البيت لنا والقدس لنا، بأيدينا للقدس سلام آت...)

فتحت الأنترنت لأقرأ في إحدى المقالات كيف هدّمت إسرائيل المدارس والجوامع والمشافي والبيوت على رؤوس أصحابها! أتحول إلى مقال آخر فأرى كيف تحوّل إسرائيل الدم الفلسطيني إلى ورقة انتخابية!!!! أتحول إلى مقال آخر فأجد صحفي إسرائيلي (يرئيل) يصف دولته بأنها المصدرة الأولى للإرهاب في العالم!

في الطريق لاحقتني صورة طفل ملفوف بكفن وآخر غارق بدمائه وآخر أطفأت عينيه قنابل إسرائيلية، كل ذلك كان يغلي في داخلي، وأنا أدخل غرفة المحاضرات لأستمع إليكن عن ضرورة اللاعنف في الحياة!

لهذا كله أرجو المعذرة لم أستطع أن أرى السلام بعيدا عن النار التي حرقت الأطفال والأشجار في فلسطين! أعترف لكن بأنني لم أستطع التخلص من تاريخ العدوان الذي أعيشه يوما إثر يوم، فيكبر إحساسي بالظلم والقهر! وتضطرم في داخلي رغبة المقاومة والنهضة معا!

لهذا أزعجني ، كما أزعج الكثير من المشاركات، طلبكن عدم الحديث بالسياسة، معاناتنا مع الإرهاب الصهيوني كبرت معنا، هنا أستخدم ضمير الجماعة لأنني لاحظت، كما لاحظت إحداكن، طغيان هذا الهم علينا جميعا، حتى إنها صرّحت قائلة: لست مندوبة عن إسرائيل!!

بصراحة كلما سمعتكن وأنتن ترددن كلمة اللاعنف أقول بيني وبين نفسي إنهن ضحية أفكار مسبقة عن سورية، رسمت صورة مشوهة عن بلدي، فهن يظننّ أن ثقافة العنف منتشرة بيننا!!!

جاءت الزيارة لأماكن العبادة الإسلامية والمسيحية واليهودية، في منطقة واحدة في دمشق القديمة، لتتحدث نيابة عنا عن ثقافة التسامح التي رُبينا عليها (كان جدي يجمعنا ليقول لنا المسلم الله خلقه والمسيحي واليهودي) أمي الأمية كانت تردد (كل واحد على دينه الله يعينو) أما أبي الذي لم يقرأ في حياته سوى القرآن فكان يردد "ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم"

استطاعت العزيزة هند قبوات أن تجسد لكن هذه الأفكار بشكل عملي في دعوتها لكن لتجتمعن مع رجال الدين من كل الطوائف والأديان على مائدة واحدة!

أيتها العزيزات لا أنزّه مجتمعي من التعصب والجهل، لكن في المقابل ثمة ثقافة متسامحة نشأنا عليها، ونعمل من أجل ترسيخها، لكن أرجو أن تقلن لي: كيف أستطيع التسامح مع قوة إرهابية اقتلعتني من أرضي، وحرقت زيتوني وقتلت أطفالي!؟

كيف نستطيع صنع سلام مع عدو لا يعرف لغته، وكل ما يجيده هو الظلم والقهر والإرهاب! أومن بأنه حين يتحقق العدل وينتشر الخير والحب يتحقق السلام!

أخيرا لن أفقد الأمل مادام في الأرض نساء مثلكن يعملن من أجل السلام، وعلى استعداد لبذل كل التضحيات من أجله!